أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

205

العقد الفريد

والدماغ هو معدن العقل ، وحاسة الحواس وبه قوام البدن ، وفيه يقول الشاعر : إذا نزعوا رأسي ، وفي الرأس أكثري * وغودر عند الملتقى ثمّ سائري . . . لاعرابي في الرأس وقيل لاعرابي : أتحسن أن تأكل الرأس ؟ قال : نعم ؛ أعض العينين ، وأفك لحييه ، وأنقي خديه ، وأرمي بالدماع إلى من هو أحق مني ، وكانوا يكرهون أكل الدماغ ، ولذا يقول قائلهم . ولا أبتغي المخّ الذي في الجماجم نصيحة أبي عبد الرحمن لابنه وكان أبو عبد الرحمن يجلس مع ابنه يوم الرأس ويقول له : إياك ونهم الصبيان وبغر « 1 » السباع ، واخلاق النوائح ، ونهش الاعراب ، وكل ما بين يديك ، فإنما حظك منه ما قابلك ، واعلم أنه إذا كان في الطعام شيء ظريف ، من لقمة كريمة ، أو مضغة شهية ، فإنما ذلك للشيخ المعظم ، والصبي المدلل ، ولست بواحد منهما ، وقد قالوا . مدمن اللحم كمد من الخمر ؛ أي بنيّ ، لا تخضم خضم البراذين ، ولا تدمن الأكل إدمان النعاج ، ولا تلقم لقم الجمال ، ولا تنهش نهش السباع ، وعوّد نفسك الأثرة « 2 » ، ومجاهدة الهوى والشهوة ؛ فإن اللّه جعلك إنسانا فلا تجعل نفسك بهيمة ، واحذر سرعة الكظة وسرف البطنة ، فقد قال بعض الحكماء : إذا كنت نهما فعدّ نفسك من الزّمنى ؛ واعلم أن الشّبع داعية البشم ، والبشم داعية السقم ، والسقم داعية الموت . ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة ؛ لأنه قاتل نفسه ، وقاتل نفسه الأم من قاتل غيره أي بني ، واللّه ما أدى حق الركوع والسجود ذو كظة ولا خشع للّه ذو بطنة ، والصوم صحة ؛ والوجبات عيش الصالحين أي بني ، لأمر ما طالت أعمار الرهبان ، وصحت

--> ( 1 ) بغر : شرب فلم يرو فأخذه داء من الشرب . ( 2 ) الأثرة : المكرمة المتوارثة .